ابو القاسم عبد الكريم القشيري

140

الرسالة القشيرية

فإذا فنى عن سوء الخلق بقي بالفتوة والصدق . ومن شاهد جريان القدرة في تصاريف الأحكام ، يقال : فنى عن حسبان الحدثان من الخلق ، فإذا فنى عن توهم الآثار من الأغيار بقي بصفات الحق . ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لا عينا ولا أثرا ؛ ولا رسما ، ولا طللا ؛ يقال : إنه فنى عن الخلق وبقي بالحق . ففناء العبد عن أفعاله الذميمة ، وأحواله الخسيسة : بعدم هذه الأفعال . وفناؤه عن نفسه ، وعن الخلق : بزوال إحساسه بنفسه وبهم . فإذا فنى عن الأفعال ، والأخلاق ، والأحوال ، فلا يجوز أن يكون ما فنى عنه من ذلك موجودا . وإذا قيل : فنى عن نفسه ؛ وعن الخلق ، فنفسه موجودة ، والخلق موجودون ولكنه لا علم له بهم ولا به ، ولا إحساس ، ولا خبر ، فتكون نفسه موجودة ، والخلق موجودين ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين ، غير محس بنفسه وبالخلق . وقد ترى الرجل يدخل على ذي سلطان ؛ أو محتشم ، فيذهل عن نفسه ، وعن أهل مجلسه هيبة ، وربما يذهل عن ذلك المحتشم ، حتى إذا سئل بعد خروجه من عنده ، عن أهل مجلسه وهيئات ذلك الصدر « 1 » ، وهيئات نفسه ، لم يمكنه الإخبار عن شئ . قال اللّه تعالى : « فلما رأينه أكبرنه ، وقطعن أيديهن » . لم يجدن عند لقاء يوسف عليه السلام ، على الوهلة « 2 » ألم قطع الأيدي ، وهن أضعف الناس ، وقلن : « ما هذا بشرا » - ولقد كان بشرا - . وقلن : « إن هذا إلا ملك كريم » - ولم يكن ملكا - . فهذا تغافل مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق ، فما ظنك بمن تكاشف « 3 » بشهود الحق سبحانه ؟ .

--> ( 1 ) أي المحتشم ، وفي نسخة « وهيئة » . ( 2 ) البغتة . ( 3 ) أي أزيلت عنه الحجب .